رسالة علماء تونس: جواب عمر المحجوب على الرسالة الوهابية
لما بلغت رسالة الدعوة الوهابية تونس أحالها الباي حمودة باشا على العلماء، فأجاب عنها عمر المحجوب المالكي برسالة تدفع تهمة عبادة المشاهد وتقرر مشروعية التوسل.
السياق التاريخي
في مطلع القرن التاسع عشر الميلادي وجّه أصحاب الدعوة الوهابية رسائل إلى عدد من أقطار العالم الإسلامي يدعون فيها إلى مذهبهم، ووصل بعضها إلى بلاد المغرب. ويحفظ لنا المؤرخ التونسي أحمد بن أبي الضياف، في كتابه «إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان»، خبر الرسالة التي بلغت تونس، وقد أورده في سياق حديثه عن وصول نبأ استعادة الدولة العثمانية للحرمين سنة 1229هـ (1814م):
«ورد البشير من الدولة العلية العثمانية بأخذ الحرمين الشريفين من يد الوهابي»[1]
ثم يستطرد ابن أبي الضياف في التعريف بالدعوة كما يراها، ويذكر أن أصحابها أقاموا دعاة ووجّهوا رسائل إلى آفاق المسلمين، وصلت منها رسالة إلى القطر التونسي، ويسوق نصّها كاملًا.
مضمون الرسالة الوهابية
تفتتح الرسالة بآيات الأمر باتباع ما أنزل الله والنهي عن التفرق، ثم تعدّد ما تعدّه من مظاهر الشرك: التوجه إلى الموتى وسؤالهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات، والنذر والذبح لهم، والبناء على القبور، وتقرر أن صرف شيء من العبادة لغير الله كصرف جميعها. وتصرّح بمنهجها في الدعوة:
«وهو الذي ندعو الناس إليه ونقاتّلهم عليه بعدما نقيم عليهم الحجة من كتاب الله وسنة رسوله وإجماع السلف الصالح من الأئمة»[2]
ومن الإنصاف أن يُعرض موقف الرسالة كما ورد؛ فهي تختم بالدعوة إلى إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت، وبأن من عمل بما تعتقده فهو «أخونا المسلم»، وبأن الأمة لا تجتمع على ضلالة.
ويعلّق ابن أبي الضياف على الرسالة بأن صاحبها بنى حجته على أن التوصل إلى الله ببركة الأنبياء ومن دونهم عبادة، والعبادة لا تكون إلا لله، ويرى أنه لم يفرّق بين العبادة الشرعية، وهي التكاليف التي اشتملت عليها الشريعة، وبين ما خرج عنها، ولا بين البدعة الموصلة إلى الكفر المقتضي للقتال وبين غيرها. وهذا التعليق من كلام المؤرخ نفسه، ويكشف عن الإطار الذي قرأ فيه علماء تونس الرسالة: فالخلاف عندهم يدور على حدّ العبادة، وعلى من يملك الحكم بالكفر وما يترتب عليه من أحكام.
تكليف الباي للعلماء
يذكر النص أن الرسالة لما انتشرت في تونس أحالها الحاكم على علماء البلد ليوضحوا للناس الحق:
«ولما شاعت هذه الرسالة في القطر التونسي بعث بها الباي أبو محمد حمودة باشا إلى علماء»[3]
وقد حكم حمودة باشا تونس بين سنتي 1782 و1814م. ويذكر النص أن القاضي أبا الفداء إسماعيل التميمي كتب ردًّا مطوّلًا سماه «المنح الإلهية في طمس الضلالة الوهابية»، وأن العالم المالكي أبا حفص عمر ابن المفتي قاسم المحجوب أجاب برسالة بليغة، هي التي ينقلها ابن أبي الضياف ويتضمنها هذا الكتاب.
محاور جواب المحجوب
يبدأ المحجوب بمخاطبة صاحب الرسالة، فيعيب عليه قتال الناطقين بالشهادتين وإخافة أهل الحرمين، محتجًا بحديث «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله». ثم ينتقل إلى نفي التهمة الجوهرية، وهي أن زائري الأولياء يعبدونهم:
«فنقول لكم في جوابه: معاذ الله أن يعبد مسلم تلك المشاهد»[4]
ويقرر أن ما قد يقع من جاهل من تعظيم غير مشروع ينكره العلماء وولاة الأمر ويعلّمون صاحبه الصراط المستقيم، لا أن يُحكم به على عموم المسلمين. وفي مسألة التوسل يرى أنه مشروع ثابت في السنة:
«فإِن التوسل بالمخلوق مشروع»[5]
ويحتج لذلك باستسقاء عمر بن الخطاب بالعباس عام الرمادة، ويسأل مخاطَبه: هل يُحكم على عمر ومن حضر من الصحابة والتابعين بالشرك لأنهم جعلوا العباس واسطة في الدعاء؟ ثم يتناول مسألة البناء على القبور، فيرى أن النهي الوارد فيها محمول عند الفقهاء على المقابر المسبَّلة لدفن عامة المسلمين، وأن هدم ما بُني منها من مواضع الاجتهاد التي اختلف فيها العلماء، فلا يسوغ أن يُتخذ ذريعة للقتال واستباحة الحرمات. ويعرض كذلك لزيارة القبور ونسخ النهي عنها، ولحديث «لا تشد الرحال» الذي يحمله على شدّ الرحال لأجل الصلاة.
ملاحظات على الطبعة
النص في هذه الطبعة مسبوق بمقدمة للناشر ذات طابع جدلي معاصر، كما أن المحقق يعلّق في الحواشي على بعض المرويات التي أوردها المحجوب، فيصف بعضها بأنه غير ثابت أو لا أصل له. ولذلك يحسن بالدارس أن يميّز بين نص الرسالة التونسية، بوصفه وثيقة من وثائق الجدل العقدي في المغرب الإسلامي مطلع القرن الثالث عشر الهجري، وبين ما أضيف إليه في الطبعة الحديثة. وتبقى قيمة الرسالة في أنها تُظهر كيف استقبل علماء مالكية في تونس خطاب الدعوة النجدية، وبأي أدلة واجهوه.
المصادر والمراجع
ورد البشير من الدولة العلية العثمانية بأخذ الحرمين الشريفين من يد الوهابي
وهو الذي ندعو الناس إليه ونقاتّلهم عليه بعدما نقيم عليهم الحجة من كتاب الله وسنة رسوله وإجماع السلف الصالح من الأئمة
ولما شاعت هذه الرسالة في القطر التونسي بعث بها الباي أبو محمد حمودة باشا إلى علماء
فنقول لكم في جوابه: معاذ الله أن يعبد مسلم تلك المشاهد
فإِن التوسل بالمخلوق مشروع