سليمان بن عبد الوهاب ونقد التكفير في «الصواعق الإلهية»
رسالة جوابية كتبها أخو الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى حسن بن عيدان، يحتج فيها بالإجماع على إسلام من نطق بالشهادتين، وبأن الاستنباط والتكفير من شأن المجتهدين.
مؤلف الرسالة ومناسبتها
الشيخ سليمان بن عبد الوهاب النجدي هو أخو الشيخ محمد بن عبد الوهاب، نشأ مثله في بيت علم حنبلي في نجد، فجاء ردّه على أخيه من داخل المذهب نفسه ومن البيئة ذاتها. وكتابه «الصواعق الإلهية في الرد على الوهابية» ليس تصنيفًا مطوّلًا على طريقة المتون، بل رسالة جوابية وجّهها إلى حسن بن عيدان، وكان قد كاتبه مرارًا يستدعي ما عنده من العلم، وتفتتح بقوله:
«من سليمان بن عبدالوهاب الى حسن بن عيدان.»[1]
ويذكر المؤلف في المقدمة أنه يسوق بعض ما علمه من كلام أهل العلم على سبيل النصيحة، فإن قُبل فذلك المطلوب، وإلا فقد أدّى ما عليه. ويتألف الكتاب من مقدمة وفصول متتابعة يدور أكثرها على أصل واحد: عدم جواز تكفير المسلمين.
من نطق بالشهادتين
ينطلق المؤلف من تعريف الإسلام في الأحاديث الصحيحة، كحديث جبريل وحديث «بني الإسلام على خمس»، ثم يقرر أن الحكم بالإسلام لمن أتى بالشهادتين محلّ إجماع:
«بل اجمعوا ان من نطق بالشهادتين اجريت عليه احكام الاسلام»[2]
ويستند في ذلك إلى حديث «أمرت أن أقاتل الناس» وحديث الجارية، وينقل عن ابن القيم أن الكافر إذا نطق بالشهادتين دخل في الإسلام. ثم يوجّه سؤاله إلى مخاطبيه: إذا كنتم تكفّرون من يشهد الشهادتين ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويصوم رمضان ويحج البيت، فمن إمامكم في ذلك؟ وممن أخذتم هذا المذهب؟
الاستنباط مرتبة المجتهد
يجعل المؤلف مقدمة كتابه قاعدة يُرجَع إليها، وهي أن للاجتهاد شروطًا معلومة ينقل الإجماع عليها عن أبي بكر الهروي وغيره، وأن من لم يبلغها فعليه سؤال أهل العلم واتباعهم. ومن هنا يأخذ على مخالفه أنه يستنبط من الكتاب والسنة بمفهومه ولا يعرض قوله على أهل العلم، ويحتج بقوله:
«فان الامة مجمعة كما تقدم ان الاستنباط مرتبة اهل الاجتهاد المطلق»[3]
ويضيف أنه لو اجتمعت شروط الاجتهاد في رجل لم يجب على أحد الأخذ بقوله دون نظر. فالمسألة عنده ليست في تعظيم التوحيد، الذي يقرّ به الطرفان، بل في الجهة التي تملك تنزيل أحكام الشرك والردة على الأعيان والبلدان.
ابن تيمية وابن القيم في مسألة النذر
يتوقع المؤلف أن يحتج مخاطبوه بكلام ابن تيمية وابن القيم، فيسلّم بأن الشيخين سمّيا بعض هذه الأفعال شركًا وشدّدا فيها، لكنه يرى أنهما لم يجعلاها شركًا أكبر مخرجًا من الملة تُجرى بسببه أحكام الردة. ويستدل بكلام ابن تيمية في النذر للقبور، إذ عدّه نذر معصية لا يجوز الوفاء به، وأرشد صاحبه إلى التصدق بما نذر، فيعلّق المؤلف:
«فلو كان الناذر كافراً عنده لم يأمره بالصدقة لان الصدقة لا تقبل من الكافر»[4]
ويمضي على هذا النحو في الذبح والتبرك بالقبور، فينقل أن أهل العلم عدّوا بعض ذلك في المكروهات وبعضه في المحرمات، ولم يذكروه في أبواب الردة من كتب الفقه كالفروع والإقناع.
إعذار الجاهل والمخطئ
وعلى فرض التسليم بأن بعض هذه الأفعال كفر، يقرر المؤلف أصلًا آخر ينسبه إلى أهل السنة ويحكيه عن ابن تيمية وابن القيم، وهو أن الحكم على المعيّن مشروط بقيام الحجة:
«ان الجاهل والمخطئ من هذه الامة ولو عمل من الكفر والشرك ما يكون صاحبه مشركا او كافراً انه يعذر بالجهل والخطا حتى تتبين له الحجة»[5]
ويفرّق في ذلك بين ما هو معلوم من الدين بالضرورة مما أُجمع عليه إجماعًا قطعيًا، وما سواه مما يحتاج إلى بيان، مستعينًا بكلام الخطابي في أصناف أهل الردة، وفي عذر من ينكر ما لا يستفيض علمه عند العامة.
المقارنة بالخوارج
ويحتج المؤلف بسيرة الصحابة مع الخوارج؛ فهم مع ما ورد فيهم من الأحاديث الصحيحة، ومع تكفيرهم عليًّا وعثمان واستحلالهم دماء المسلمين، لم يحكم الصحابة بخروجهم من الملة. وينقل عن ابن تيمية قوله:
«لم يكفرهم علي ولا احد من الصحابة ولا احد من ائمة اهل الاسلام»[6]
ويرى المؤلف أن من أخصّ سمات الخوارج تنزيل الآيات النازلة في المشركين على أهل القبلة، مستشهدًا بما رُوي عن ابن عباس وابن عمر في ذلك، ويحذّر مخاطبيه من سلوك هذا المسلك. ثم يتتبع فرقًا أخرى كالقدرية والمعتزلة والمرجئة والجهمية ليبيّن أن السلف ـ في رأيه ـ لم يكفّروها كفرًا ناقلًا عن الملة مع شدة إنكارهم عليها.
خلاصة
تقوم حجة «الصواعق الإلهية» على ثلاثة أركان: إجماعٌ على إسلام من نطق بالشهادتين، وحصرُ الاستنباط والتكفير في أهل الاجتهاد، وقراءةٌ لنصوص ابن تيمية وابن القيم تفرّق بين تسمية الفعل شركًا والحكم بردّة فاعله. وتكمن أهمية الرسالة التاريخية في أنها صدرت عن عالم حنبلي نجدي من أسرة صاحب الدعوة نفسها، وأنها تحاجّ مخاطبيها بالمراجع التي يعظّمونها هم أنفسهم.
المصادر والمراجع
من سليمان بن عبدالوهاب الى حسن بن عيدان.
بل اجمعوا ان من نطق بالشهادتين اجريت عليه احكام الاسلام
فان الامة مجمعة كما تقدم ان الاستنباط مرتبة اهل الاجتهاد المطلق
فلو كان الناذر كافراً عنده لم يأمره بالصدقة لان الصدقة لا تقبل من الكافر
ان الجاهل والمخطئ من هذه الامة ولو عمل من الكفر والشرك ما يكون صاحبه مشركا او كافراً انه يعذر بالجهل والخطا حتى تتبين له الحجة
لم يكفرهم علي ولا احد من الصحابة ولا احد من ائمة اهل الاسلام

