مكتبة رقمية ومقالات موثّقة
ن
نجديات
المكتبة

شروط الاجتهاد ودعوى الاستنباط: بين «الصواعق الإلهية» و«تهكم المقلدين»

4 أكتوبر 2026 · 0 مشاهدة · 6 المصادر والمراجع

كيف احتج سليمان بن عبد الوهاب وابن عفالق والشطي بالإجماع على شروط الاجتهاد في وجه دعوى الاستنباط المباشر من الكتاب والسنة.

السؤال المركزي: من يحق له الاستنباط؟

من أبرز ما دار حوله الجدل في القرن الثاني عشر الهجري سؤال منهجي: هل يجوز لكل من قرأ الكتاب والسنة أن يستنبط منهما الأحكام مباشرة، ويُلزم الناس بفهمه، ويحكم على مخالفيه؟ وقد أجاب عن هذا السؤال عالمان من البيئة نفسها: الشيخ سليمان بن عبد الوهاب النجدي، أخو الشيخ محمد بن عبد الوهاب، في رسالته «الصواعق الإلهية في الرد على الوهابية»، والفقيه الحنبلي ابن عفالق الأحسائي في «تهكم المقلدين»، ثم جاء بعدهما الشيخ حسن الشطي الحنبلي فبسط المسألة في «النقول الشرعية».

مقدمة «الصواعق»: الإجماع على شروط الإمامة في الدين

يبدأ سليمان بن عبد الوهاب رسالته بتقرير أن الجاهل لا يستبد برأيه بل يسأل أهل العلم، ثم ينقل عن الإمام أبي بكر الهروي حكاية الإجماع على شروط من يُتّبع في الدين:

اجمعت العلماء قاطبة على انه لا يجوز لاحد ان يكون اماماً في الدين والمذهب المستقيم حتى يكون جامعاً هذا الخصال[1]

ويعدد النص بعد ذلك هذه الخصال: حفظ لغات العرب واختلافها ومعاني أشعارها، والعلم باختلاف العلماء والفقهاء، والإعراب، والعلم بكتاب الله وقراءاته وتفسيره ومحكمه ومتشابهه وناسخه ومنسوخه، والعلم بالأحاديث وتمييز صحيحها من سقيمها ومتصلها من منقطعها، ثم الورع والصدق والثقة. ويرتب الهروي على ذلك نتيجة واضحة:

فاذا جمع هذه الخصال فحينئذ يجوز ان يكون اماما وجاز ان يقلد ويجتهد في دينه وفتاويه[2]

ويرى المؤلف أن ما عدا ذلك يقتضي أن يقتدي من لم يبلغ هذه الدرجة بمن بلغها، وأن الناس في الدين قسمان: مقلد ومجتهد.

ابن القيم شاهدًا

ولا يكتفي سليمان بن عبد الوهاب بالهروي، بل ينقل عن ابن القيم في «إعلام الموقعين»، وهو من الأئمة الذين يعظّمهم مخاطَبوه، قوله:

لا يجوز لاحد ان ياخذ من الكتاب والسنة مالم يجتمع فيه شروط الاجتهاد[3]

ويُتبعه بالخبر المروي عن الإمام أحمد في مقدار ما يحتاجه الفقيه من حفظ الحديث. ووجه الاحتجاج أن اشتراط هذه الشروط ليس قولًا للمتأخرين المقلدين وحدهم، بل هو قول من يستشهد بهم أصحاب الدعوة أنفسهم.

من الشروط إلى الحكم على الناس

ثم ينتقل المؤلف إلى ثمرة المسألة: فالتكفير وتفصيل ما يُخرج من الملة وما لا يُخرج يحتاج عنده إلى بيان أئمة اجتمعت فيهم شروط الاجتهاد، ولا يكفي فيه فهمُ من لم يبلغ هذه الرتبة. ويقرر:

فان الامة مجمعة كما تقدم ان الاستنباط مرتبة اهل الاجتهاد المطلق[4]

ويضيف أنه حتى لو اجتمعت شروط الاجتهاد في رجل، لم يجب على أحد الأخذ بقوله دون نظر. فالحجة عنده ذات شقين: من لم يستوف الشروط لا يستنبط، ومن استوفاها لا يُلزم الأمة بفهمه.

ابن عفالق: الامتحان العملي

أما ابن عفالق فيعرض المسألة نفسها في صورة امتحان عملي. فهو يسأل عن المكلف حديث البلوغ: هل يُؤمر بالاجتهاد من أول وهلة

وإن لم يكن عالمًا بما يتعلق بالاجتهاد من الآيات، والآثار، وأصول الفقه، والعربية، وغير ذلك مما اجتمعت عليه الأمة[5]

ويحتج بأن الأمة أجمعت على أن هذه العلوم من شروط الاجتهاد، وأن من لم يحصّلها لا بد له في مدة تعلمه من الرجوع إلى أهل العلم. وتتكامل حجته مع حجة سليمان بن عبد الوهاب: فالأول يحكي الإجماع على الشروط، والثاني يطالب مدعي الاجتهاد بإظهارها في الحديث والعربية والبلاغة والفرائض.

الشطي: المنهج في التحقق من الدعوى

ويبسط حسن الشطي الحنبلي في «النقول الشرعية» شروط المجتهد كما قررها الأصوليون في المذاهب الأربعة، ناقلًا عن «التحرير» للمرداوي وشرحه، ثم يقترح منهجًا للتحقق من دعوى الاجتهاد:

فمن ادعى في هذا الزمان الاجتهاد فيسأل عن الشروط المذكورة[6]

أي إن الدعوى لا تُرد ولا تُقبل بمجردها، بل تُختبر بالبحث في توفر شروطها في صاحبها، وهو المنهج نفسه الذي سلكه ابن عفالق قبله بنحو قرن.

خلاصة

تلتقي هذه النصوص الثلاثة على أطروحة واحدة: الاجتهاد رتبة علمية لها شروط معروفة متفق على أغلبها، تشمل علوم العربية والقرآن والحديث وأصول الفقه ومواضع الإجماع والخلاف، وليس حقًا مفتوحًا لكل من قرأ النصوص. ويرى أصحابها أن تجاوز هذه الشروط، ولا سيما في مسائل التكفير، هو أصل الخلل الذي ردوا عليه، وأن العودة إلى أهل العلم المستوفين للشروط هي الضمانة لسلامة الاستنباط ووحدة الأمة.

المصادر والمراجع

1
اجمعت العلمآء قاطبة على انه لا يجوز لاحد ان يكون اماماً في الدين والمذهب المستقيم حتى يكون جامعاً هذا الخصال
الشيخ سليمان بن عبد الوهاب النجدي، الصواعق الإلهية في الرد على الوهابية، نسخة منضدة — صفحة 5 · افتح في الصفحة ↗ · نص الصفحة
نقلًا عن أبي بكر الهروي عن «غاية السؤال»
2
فاذا جمع هذه الخصال فحينئذ يجوز ان يكون اماما وجاز ان يقلد ويجتهد في دينه وفتاويه
الشيخ سليمان بن عبد الوهاب النجدي، الصواعق الإلهية في الرد على الوهابية، نسخة منضدة — صفحة 5 · افتح في الصفحة ↗ · نص الصفحة
تتمة كلام الهروي
3
لا يجوز لاحد ان ياخذ من الكتاب والسنة مالم يجتمع فيه شروط الاجتهاد
الشيخ سليمان بن عبد الوهاب النجدي، الصواعق الإلهية في الرد على الوهابية، نسخة منضدة — صفحة 5 · افتح في الصفحة ↗ · نص الصفحة
نقلًا عن ابن القيم في «إعلام الموقعين»
4
فان الامة مجمعة كما تقدم ان الاستنباط مرتبة اهل الاجتهاد المطلق
الشيخ سليمان بن عبد الوهاب النجدي، الصواعق الإلهية في الرد على الوهابية، نسخة منضدة — صفحة 7 · افتح في الصفحة ↗ · نص الصفحة
5
وإن لم يكن عالمًا بما يتعلق بالاجتهاد من الآيات ،والآثار ،وأصول الفقه ،والعربية ،وغير ذلك مما اجتمعت عليه الأمة
محمد بن عبد الرحمن بن عفالق الحنبلي الأحسائي، تهكّم المقلّدين في مدّعي تجديد الدين — صفحة 17 · افتح في الصفحة ↗ · نص الصفحة
فصل في الاجتهاد والتقليد
6
فمن ادعى في هذا الزمان الاجتهاد فيسأل عن الشروط المذكورة
الشيخ حسن الشطي الحنبلي، النقول الشرعية في الرد على الوهابية، تحقيق: بسام حسن عميقة، دار غار حراء — صفحة 10 · افتح في الصفحة ↗ · نص الصفحة
نص مصوّر (OCR)

أحدث المقالات

↑